صديق الحسيني القنوجي البخاري

7

فتح البيان في مقاصد القرآن

هذه الآية يقول : لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم . وعن مجاهد قال : لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدر لك ، ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم تخلطونها فتأكلونها جميعا إنه كان إثما كَبِيراً وعن ابن زيد قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار ، يأخذه الكبير ، فنصيبه من الميراث طيب ، وهذا الذي يأخذ خبيث . وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه وليا لها ويريد أن يتزوجها فلا يقسط لها في مهرها أي لا يعدل فيه ولا يعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج ، فنهاهم اللّه أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى ما هو لهن من الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن . فهذا سبب نزول الآية فهو نهي يخص هذه الصورة ، قال جماعة من السلف إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما يشاء فقصرهم بهذه الآية على أربع ، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا أن لا يقسطوا في اليتامى فكذلك يخافون أن لا يقسطوا في النساء ، لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء ، والخوف من الأضداد فإن المخوف قد يكون معلوما ، وقد يكون مظنونا . ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية فقال أبو عبيد : خفتم بمعنى أيقنتم ، وقال الآخرون بمعنى ظننتم ، قال ابن عطية وهو الذي اختاره الحداق وإنه على بابه من الظن لا من اليقين . والمعنى من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة فليتركها وينكح وغيرها . والمعروف عند أهل اللغة أن أقسط بمعنى عدل وقسط بمعنى جار لأن الهمزة تأتي للسلب فيقال أقسط إذا أزال القسط أي الجور والظلم ، ولذلك جاء وَأَمَّا الْقاسِطُونَ [ الجن : 15 ] الآية وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ الحجرات : 9 ] وجاء قسط قسطا من باب ضرب ، وقسوطا جار وعدل فهو من الأضداد ، قاله ابن القطاع ، والاسم القسط . و « ما » في قوله ما طابَ لَكُمْ موصولة وجاء بما مكان « من » لأنهما قد يتعاقبان فيقع كل واحد منهما مكان الآخر كما في قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها [ الشمس : 5 ] فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [ النور : 45 ] . قال بعضهم : وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصات العقول ، وقال البصريون : إن ( ما ) يقع للنعوت كما يقع لما لا يعقل ، يقال ما عندك فيقال